كتب أ.عمرو فاروق، الكلمات ليست إلا حاويات للمعاني، ونحن حين نتبادل الكلمات فنحن نتبادل المعاني لا الأواني الفارغة !
فمن تنوعت أوانيه لتنوع معانيه فهذا هو الماهر.
وأما من أصيب بهوس اقتناء الأواني و تجميعها وإرسالها إلى من لا يستطيع فتحها لمجرد أنه معجب بفخامة النقوش عليها،
ولم يهتم بما إذا كان المتلقي يستطيع فكها أم لا، فهذا إما مهووس أو مفتخر.
وأيضا من وجد المعنى محبوسًا في لفظ ولم يستطع معالجته، ثم بدلا من أن يجتهد في فهم المعنى أو أن يطلب من المرسل استبدال الوعاء، تعامل مع محتوى الوعاء بالظن أو بسوءه. ثم أرسل هو الآخر أوعية مستعصية عن الفتح، وظل ومحاوله يتبادلون ما لا يفهمونه، و قد يختلفون أو يتفقون و هم أصلا لم يفهموا عمّ يخاطِب أحدهما الآخر. ويرتضون من النقاش بشكله وسمت العلماء فخم الألفاظ، فهؤلاء حمقى، اهرب منهم.
أنا أذكر أول ما بدأت الدكتوراة كان هناك عالم كبير مصنف عالميًّا و هو من فريقي وقرأ ورقتي واجتمع بي وقال لي ماذا تعني بلفظة "idiosyncratic"، ولم أفهم كيف أنه أحد أكبر العلماء و يسأل عن مثل هذا؟ وبعد أن شرحت أنها تعني "متفرد/ ذاتي …." أبدى استيائه لأنها و إن كانت صحيحة ولكنه لم يعتد أن يرى الباحثين في مجالنا يستخدمونها بهذه الصيغة، ثم واصل فإذا معظم ملاحظاته السلبية معي كانت لغوية لأني تحسبا لقرائته تقعرت في ألفاظي. فإذا هو مستاء جدا مما فعلت، وأن كلامي مهما كنت أظن فيه من قيمة ولكن هو لم يفهمه وبالتالي ليس له قيمة ولا لكتابتي. و اضطررنا أن أعيد كتابة الورقة من الصفر.
مرة أخرى كان يزورنا أحد كبار العلماء في العالم في تخصصي وكنت أتحدث معه عن حلٍّ اكتشفته لمشكلة كان يواجهها في نقاش مشهور له مع أحد العلماء المنافسين له. و كنت أتمني أن أقوم بعمل ورقة مشتركة معه، و طلب مني بالفعل أن أرسل فكرتي عبر البريد الإلكتروني، وهنا تملكني شبح المثقف العربي و تقعرت لأني أكتب أهم بريد علمي في حياتي وقتها. ولكنه لم يكن حسن الخلق مثل الآخر في فريقي، ولكنه اعتبر تقعري علامة على أنني لا أدري ما اقول و تجاهلني بالكلية و ضاعت علي فرصة كنت أتمناها.
وبعدها تعلمت من العديد من المواقف أن التقعر دليل على أن المحفوظ أكبر من المفهوم و من الآراء الأصلية.
و أن أرسل ما أقول بشكل بسيط وواضح وغير ملغز ليس لمتوسطي التخصص، بل لمن لديه الحد الأدنى من التخصص.
فإذا كنت أتكلم بين أهل التخصص العام فلا يجب أن أستخدم لفظا من التخصص الدقيق إلا وقد شرحته، ولا أتكلم مع أهل التخصص الدقيق وأستخدم لفظًا من ألفاظ التخصص إلا ونسبته بوضوح إلى إحدى المدارس الفكرية وأوضح ما أعنيه بها قبل أن أستخدمه.
ولكن لا أرسل الألفاظ إرسالا. وأعتبر أن مجرد كون الشخص متخصصًا فهو يجاريني في كل ما أتلفظ به.
وإن استطعت أن أضع المعنى في لفظ بسيط ووضعته في لفظ أقل بساطة فهذا أمر مخزٍ.
تعليقات: 0
إرسال تعليق